المسؤولية الطبية /

حكم محكمة تمييز دبي بشأن مسؤولية الطبيب في عملية الختان

مقدمة في 10 أبريل 2004، أصدرت محكمة تمييز دبي حكماً قضائياً بالغ الأهمية في الطعنين رقم 2003/106 و2003/108، وكلاهما...

العودة إلى المقالات

مقال قانوني · المسؤولية الطبية · 5 دقيقة قراءة · 29 يونيو 2026

مقدمة

في 10 أبريل 2004، أصدرت محكمة تمييز دبي حكماً قضائياً بالغ الأهمية في الطعنين رقم 2003/106 و2003/108، وقد قُدِّم كلاهما خلال الميعاد القانوني واستوفيا جميع الشروط الشكلية.

تتلخص وقائع الدعوى في دعوى أقامها أحد الوالدين ضد عيادة طبية وطبيب بشأن عملية ختان أُجريت لطفله. وقد طالب الأب، رافع الدعوى، بتعويض قدره ثلاثة ملايين درهم عن الأضرار المادية والأدبية والنفسية والمعنوية التي لحقت بطفله وأسرته جراء هذه العملية.

وتفصيلاً للوقائع، يتبين أن الوالدين لاحظا أن طفلهما كان في حالة غير طبيعية أثناء التبول، وعانى من صعوبات في التبول بعد إجراء عملية الختان.

الدعوى

بعد رفع الدعوى وتقديم الدفوع، شرعت المحكمة في فحص الوقائع والأدلة المقدمة. ويتبين من المعلومات الأولية المستخلصة من ملف الدعوى أن الأب قدّم أدلة وشهادات طبية تؤكد تعرض الطفل لمشكلات صحية عقب إجراء عملية الختان.

وأُنيط بالمحكمة تحديد مدى مسؤولية الطبيب والعيادة الطبية عما حدث للطفل، إذ كان لزاماً تحديد ما إذا كان الضرر الذي لحق بالطفل ناجماً عن خطأ طبي أم لا.

ويعكس الحكم الصادر عن المحكمة أهمية مسؤولية الأطباء والمؤسسات الطبية تجاه المرضى، ذلك أن القرارات الطبية والعمليات الجراحية تنطوي على مخاطر قد تمس حياة الأشخاص، ومن ثم يتعين إجراؤها بدقة ومهنية.

المشكلة الصحية للطفل

ادّعى المدعي أنه بعد يومين من إجراء عملية الختان، تعيّن نقل الطفل إلى عيادة الحوادث في مستشفى الوصل حيث خضع للفحص، وقد أكد التقرير الطبي وجود مشكلات صحية متعلقة بعملية الختان أصابت الطفل.

العقوبات الجزائية

وإضافة إلى ذلك، أصدرت دائرة الصحة والخدمات الطبية قراراً بمعاقبة الطبيب المعني والعيادة الطبية عن الخطأ الطبي الذي أدى إلى إصابة الطفل. وقد أُحيل الطبيب للمحاكمة الجزائية، وأصدرت المحكمة حكماً بإدانته وتغريمه.

وكان الأب قد طالب في البداية بتعويض مالي قدره ثلاثة ملايين درهم، إلا أن المحكمة قضت بألا يُحكم له إلا بمبلغ مائة وخمسين ألف درهم فقط.

الاستئناف والطعون

وعقب صدور الحكم، استأنف المدعي القرار، غير أن محكمة الاستئناف أيّدت الحكم السابق. ثم تقدّم المدعي بطعن أمام محكمة التمييز استناداً إلى أسباب محددة.

وفي محاولة لتأكيد حقوقه والحصول على تعويض عادل، طعن المدعي أمام محكمة التمييز، حيث دفع في طعنه بأن الحكم المطعون فيه شابه الخطأ في تطبيق القانون وفي الإسناد السببي. وأشار إلى أن علاقته كانت مباشرة مع الطبيب المطعون ضده، دون أي تدخل من العيادة الطبية، نافياً بذلك قيام أي علاقة تبعية.

ولمّا كان القانون يُلزم التابع بأداء التعويض المقضي به إلى المتبوع متى توافرت شروط معينة، منها قيام علاقة التبعية ووقوع الضرر من المتبوع أثناء تأدية واجبه، فإنه يتضح من الوقائع أن المحكمة اعتبرت أن هذه الشروط متحققة في الدعوى المعروضة عليها.

الحكم النهائي

وتجدر الإشارة إلى أن مسألة توافر عنصر التبعية من عدمه تُعد من المسائل الموضوعية التي تُقدرها المحكمة بناءً على الأدلة والوقائع المطروحة أمامها.

وفي بيان أكثر تفصيلاً لأسباب الطعن، دفع الطاعن بأن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون وفي تسبيبه. وأشار الطاعن إلى أن المطعون ضده الأول لم يمتثل لطلب الطبيب المطعون ضده الثاني بإحضار الطفل لأغراض المتابعة وتغيير الضمادات والتنظيف.

كما أكد الطاعن إجراء عملية جراحية بعد الختان لم تُكلل بالنجاح، مما يدل على وجود مضاعفات جراحية لا صلة لها بالعيادة الطبية والطبيب المطعون ضدهما الثاني.

ودفع الطاعن بأن التعويض المقضي به مبالغ فيه، ذلك أن تكلفة العملية الجراحية في أغلى المستشفيات لا تتجاوز 22,000 درهم. وشدد الطاعن على انتفاء الأساس القانوني للأضرار النفسية والأدبية المدرجة ضمن التعويض.

واستمراراً في تناول أسباب الطعن، دفع الطاعن بأن الحكم الصادر في الدعوى الجزائية له حجية مطلقة لا تقتصر على أطرافها بل تمتد إلى الكافة. وأكد أن هذا الحكم له حجية على الناس كافة نظراً لتعدد الضمانات التي أرساها المشرّع في الدعاوى الجزائية، الرامية إلى كشف الحقيقة، لما لها من صلة بالحياة والحرية والمصالح العليا للمجتمع.

كما أوضح الطاعن أن الحكم المطعون فيه استند إلى معلومات وأدلة مستمدة من الدعوى الجزائية التي لم يكن الطاعن طرفاً فيها، ودفع بأن ذلك يشكل خطأ قانونياً يستوجب نقض الحكم.

وفي عرض أكثر تفصيلاً للمسائل المطروحة أمام محكمة التمييز، أكد الطاعن أن الحكم الصادر في الدعوى الجزائية له حجية على الكافة، نظراً لتعدد الضمانات التي أرساها المشرّع في الدعاوى الجزائية، والتي تهدف إلى كشف الحقيقة، سيما وأنها تتصل بالأرواح والحريات والمصالح العليا للمجتمع.

وذكر الطاعن أن ما خلص إليه الحكم الجزائي بشأن خطأ الطبيب المطعون ضده الثاني له حجيته في الدعوى المنظورة، حتى وإن لم تكن العيادة الطبية طرفاً في الدعوى الجزائية.

وأشار الطاعن إلى أن المحكمة غير ملزمة بالرد على طلب أي من الخصوم بإحالة الدعوى للتحقيق أو ندب خبير، ما دامت قد وجدت في أوراق الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها. وأوضح أن على الأطباء والجراحين أداء واجبهم بكفاءة ومهارة وقدر عالٍ من الحيطة والحذر.

وأوردت المحكمة في أسباب حكمها أن الطفل الذي خضع لعملية الختان كان يتبول بصورة طبيعية قبل إجراء العملية، وهو ما تؤكده وجود الفتحة البولية الأصلية. وأشارت المحكمة إلى أن عملية الختان أُجريت دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة، مما أدى إلى إتلاف الفتحة البولية الأصلية.

ونتيجة لذلك، استندت المحكمة إلى تقرير الطب الشرعي الذي أكد أن الإجراءات الطبية التي أُجريت للطفل كان لها أثر سلبي على صحته، ومن ثم قضت المحكمة بإلزام العيادة الطبية والطبيب بأداء التعويض للطاعن.

آراء الخبراء

أحمد صابر – رئيس قسم التقاضي: أكد أحمد صابر، رئيس قسم التقاضي، أهمية هذا الحكم ودوره في تحديد مسؤولية الأطباء في عمليات الختان. وقال: "يُبرز هذا الحكم مسؤولية الأطباء والمؤسسات الطبية في تقديم الرعاية الصحية بدقة ومهنية، ويتعين علينا توخي الحيطة واليقظة لضمان سلامة المرضى."

ندى الماوي – رئيسة قسم الاستشارات: أعربت ندى الماوي، رئيسة قسم الاستشارات، عن تأييدها للحكم الصادر عن محكمة التمييز. وقالت: "يعكس هذا الحكم حرص المحكمة على حماية حقوق المواطنين وتحقيق العدالة، وينبغي أن يكون لدينا نهج متعدد الجوانب لضمان تقديم رعاية صحية عالية الجودة للمرضى وتجنب الحوادث الطبية غير المرغوب فيها."

في الختام

غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الأحكام القضائية تعكس الوضع القانوني والأدلة المعروضة على المحكمة، وتبقى مسؤولية الأطباء والمؤسسات الطبية في تقديم الرعاية الصحية للمرضى مسألة حساسة ومهمة يجب التعامل معها بحذر ومهنية.

وختاماً، يؤكد هذا الحكم أهمية الدور الذي تضطلع به المحاكم في ضمان العدالة وحماية حقوق المواطنين، فضلاً عن إعادة التأكيد على مسؤوليات الأطباء والمؤسسات الطبية تجاه المرضى.